الشيخ محمد رشيد رضا
199
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والزراع وأصحاب المصالح العامة ومدير والجمعيات والشركات وزعماء الأحزاب ونابغو الكتاب والأطباء والمحامين ( وكلاء الدعاوي ) الذين تثق بهم الأمة في مصالحها وترجع إليهم في مشكلاتها حيث كانوا . وأهل كل بلد يعرفون من يوثق به عندهم ويحترم رأيه فيهم ويسهل على رئيس الحكومة في كل بلد ان يعرفهم وان يجمعهم للشورى ان شاء ، ولكن الحكام في هذا الزمان مؤيدون بقوة الجند الذي تربيه الحكومة على الطاعة العمياء حتى لو أمرته أن يهدم المساجد ويقتل أولي الامر الموثوق بهم عند أمته لفعل فلا يشعر الحاكم بالحاجة إلى أولي الامر إلا لإفسادهم وإفساد الناس بهم ولا يريد أن يقرب اليه منهم الا المتملق المدهن . فاشتدت الحاجة لأجل هذا إلى إعادة السلطة إلى أولي الامر بقوة الأمة ورأيها وتكافلها . وقد جرت الدول التي بنت سلطتها على أساس الشورى أن تعهد إلى الأمة بانتخاب من تثق بهم لوضع القوانين العامة للمملكة والمراقبة على الحكومة العليا في تنفيذها ومن تثق بهم للمحاكم القضائية والمجالس الإدارية ولا يكون هذا الانتخاب شرعيا عندنا الا إذا كان للأمة الاختيار التام في الانتخاب بدون ضغط من الحكومة ولا من غيرها ولا ترغيب ولا ترهيب ومن تمام ذلك أن تعرف الأمة حقها في هذا الانتخاب والغرض منه ، فإذا وقع انتخاب غيرهم بنفوذ الحكومة أو غيرها كان باطلا شرعا ولم يكن للمنتخبين سلطة أولي الامر ويتبع ذلك ان طاعتهم لا تكون واجبة شرعا بحكم الآية وانما تدخل في باب سلطة التغلب فمثل من بنتخب رجلا ليكون نائبا عن الأمة فيما يسمونه السلطة التشريعية وهو مكره على هذا الانتخاب كمثل من يتزوج أو يشتري بالإكراه لا تحل له امرأته ولا سلعته . وقد ذكر الأستاذ الامام اشتراط حرية الانتخاب كما تقدم ولكن الاجمال لا يغني في هذا المقام عن التفصيل خاطب اللّه الأمة كلها بإقامة القواعد الأربع المنصوصة في الآية بدليل قوله للمخاطبين « وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ » فإذا لم يقم أهل الحل والعقد من أنفسهم بالاجتماع لإقامتها فالواجب على مجموع الأمة مطالبتهم بذلك ولا يترك الأمر فوضى ثم يبحث عن إجماع أهل الحل والعقد أو الاجتهاد وعن استنباط أهل الاستنباط في رواية الرواة : قال فلان كذا وسكت الناس عن كذا ، وهذه المسألة لا نعرف فيها خلافا فهي إجماعية ،